التصنيفات
منوعات

أساطين الشعر والذكريات صدى السنين الحاكي بقلم د يعقوب يوسف الغنيم


  • أحمد شوقي نظم «جارة الوادي» وصف فيها رياض زحلة وتذكّر أيام صباه.. وشدت بها فيروز فزادتها جمالاً ورونقاً
  • عزيز أباظة أبدع في استرجاع الذكريات بعد فقدان زوجته في «همسة حائرة» وغناها محمد عبدالوهاب
  • علي محمود طه اشتهر بقصيدته «الجندول» وديوانه «الشوق» ضم قصيدة «الأيام» خاطب فيها ذكرياته
  • نظمت قصيدة حول غربتي وبُعدي عن بلدي وأهلي وأصدقائي وتراكم الذكريات على ذهني.. ولحَّن أبياتها وغنَّاها عبدالحميد السيد
  • إبراهيم الجراح وراشد السيف أثارتهما قصيدتي فنظما قصيدتين تعارضانها وتوثقان أيام الفرح والترح وتوصيان بالصبر والجلد

 

بقلم :د.يعقوب يوسف الغنيم

رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي، فقد أحيا الشعر العربي وأعاد إليه رونقه وبهاءه بعد أن مرت قرون وهو يتراجع عما كان عليه من عنفوان ورقي.

لقد أتى أحمد شوقي فتسلم الراية من محمود سامي البارودي، وانطلق بها عاليا لينتج لنا هذا الشعر البديع المتنوع في أغراضه وأشكاله، وأذكر أشكاله لأن المسرحيات الشعرية التي أبدعها كانت من أهم ما أنجز في حياته، ولأن ما صاغه من مقطوعات شعرية للأطفال كان زاداً للمدارس العربية لعدة سنين، فحفظ أطفال العرب هذا الشعر وتغنوا به ويا ليت هذا التغني قد دام إلى هذا اليوم إذن لتغير الحال فيما يتعلق بإجادة أبنائنا للغة آبائهم وأجدادهم.

ولشوقي من الأشكال – أيضا – العناية بالتاريخ فقد كان في قصائده مؤرخا لكثير من الأحداث التي مرت بالبلاد الإسلامية كلها وخاصة بلاده مصر.

وكان معبرا أصدق تعبير عندما قال: والذكريات صدى السنين الحاكي وقد قال هذا ضمن قصيدة وجهها إلى بلدة زحلة اللبنانية الشهيرة بواديها وأشجارها ومياهها وحدائقها الغناء المزهرة، وقد سماها «جارة الوادي» وهو يخاطبها بقوله:

يا جارة الوادي طربت وعادني

ما يشبه الأحلام من ذكراك

مثّلت في الذكرى هواك وفي الكرى

والذكريات صدى السنين الحاكي

ثم أخذ في وصف الرياض الجميلة في تلك البلدة التي يزهو بها لبنان، ويرى الشاعر أن ما شاهده فيها قد أعاده إلى صباه:

ولقد مررت على الرياض بربوة

غنّاء كنت حيالها ألقاك

ضحكت إليّ وجوهها وعيونها

ووجدت في أنفاسها رياك

فذهبت في الأيام أذكر رفرفا

بين الجداول والعيون حواك

(الرفرف: الشجر المسترسل بأغصانه إلى الأرض أو إلى الجدول المائي).

فماذا تذكر شوقي من أيام صباه، حين كان يشغله هواه بها يقول:

أذكرت هرولة الصبابة والهوى

لما خطرت يُقبّلان خطاك

لم أدر ما طيب العناق على الهوى

حتى ترفّق ساعدي فطواك

وتأوّدت أعطاف بانك في يدي

وأحمرّ من خفريهما خداك

ودخلت في ليلين فرعك والدجى

ولثمت كالصبح المنور فاك

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت

عيني في لغة الهوى عيناك

ثم بعد ذلك يقول:

ومحوت كل لُبانة من خاطري

ونسيت كل تعاتب وتشاكي

لا أمس من عمر الزمان ولا غد

جمع الزمان فكان يوم لقاك

لقد لخص – بعبقريته النادرة – كل ما يشعر به عند اللقاء بمن يحب، فقد أزال كل رغبة من رغباته التي تسيطر على خاطره ونسي ما كان يريد أن يقوله من عتاب وشكوى، فإن هذا اللقاء الذي يصفه قد جعله في وضع مختلف حتى إنه – صار في لحظته – لا يحس بيومه ولا بغده، بل إنه ليشعر وكأن الزمان كله قد جمع في يوم واحد هو يوم اللقاء بمن يهوى.

هكذا عبر شوقي، وبهذه الأبيات شدت الفنانة اللبنانية فيروز بصوتها الشجي، ولا تزال تسمع وترى في الوسائل المتاحة.

ولا يزال قراء شعر شوقي يذكرون ما جاء في هذه القصيدة من ذكريات ويطربون لوقعها، وحسن سبكها.

ولم تكن هذه هي القصيدة الوحيدة من نوعها، فإن له قصيدة أخرى، وردت في ديوانه تحت عنوان: «مصائر الأيام» وقد وصف فيها الصغار وهم يدرسون في (المكتب) وهو شبيه بالمدارس الأهلية التي كانت قائمة في الكويت في الزمن الماضي، مثل مدرسة الملا عبدالعزيز العنجري، والملا محمود، والملا الخنيني وغيرهم كثيرون.

إن شوقي ليصفهم في هذه المرحلة من مراحل حياتهم التي يحبذها ويحبذ معها المكتب الذي يرتاده أولئك الصغار فيقول في هذا الشأن:

ألا حبّذا صحبة المكتب

وأحبب بأيامه أحبب

ويا حبذا صبية يمرحو

ن، عنان الحياة عليهم صبي

كأنهمو بسمات الحيا

ة، وأنفاس ريحانها الطيب

يُراح ويغدى بهم كالقطي

ـع، على مشرق الشمس والمغربثم يصف هؤلاء الذين يقادون إلى الدرس في كل يوم قائلا:

عصافير عند تهجي الدرو

س مهار عرابيد في الملعب

خليون من تبعات الحيا

ة على الأم يلقونها والأب

جنون الحداثة من حولهم

تضيق به سعة المذهبوها قد فرغ من تصوير (المكتب) كما عرفه في صغره فهو بلا شك إنما كان معبرا عن مرحلة من مراحل حياته، فقد كان – في يوم ما – واحدا من هؤلاء الصغار الذين ذكرهم.

إذن – وقد فرغ – فإنه سوف ينتقل إلى حديث آخر يريد أن يقوله للناس في قصيدته هذه.

إنه يرى أن دائرة الزمان تدور كالساعة، وسوف تدور بهؤلاء الصبية كما دارت بغيرهم. وفي هذه الدنيا أناس لا يعدون ضمن الناس لسوء حظهم، وإذا غابوا عن المجالس لم يفتقدهم أحد.

وفيها اللواء وفيها المنا

ر وفيها التبيع وفيها النبي

وفيها المؤخر خلف الزحا

م وفيها المقدم في الموكب

ثم يواصل هذه القصيدة وهي طويلة فيتحدث عن مستقبل هؤلاء الصغار الذين أدركهم في المكتب، ثم رآهم وقد شبوا عن الطوق – كما يقال – وارتموا في بحر الحياة، وغلبت عليهم الرغبة في ارتفاع الصيت وفي الكسب، وفي تكوين الأسرة بما في ذلك الوصول إلى مرتبة الأبوة.

ويضيف أن العقل هو الذي يفتح باب الطموح أمام الإنسان ويزين له أن يلج باب الرجاء، ويزين للمرء أن يضع ضمن أماله ما لم تصل إليه عقول السابقين، فهذا هو الرجاء كما قال شوقي:

تنقل كالنجم من غيهب

يجوب العصور إلى عيهب

قديم الشعاع كشمس النها

ر جديد كمصباحها الملهب

أبقراط مثل ابن سينا الرئيـ

ـس وهومير مثل أبي الطيب

وكلهم حجر في البنا

ء وغرس من المثمر المعقب

وتستمر القصيدة على هذا المنوال إلى أن يصل إلى نهايتها المؤسفة التي يذكر فيها أولئك الذي عاصرهم، وعرفهم، وتتبع نمو أنشطتهم ثم فقدهم واحدا بعد الآخر:

وغاب الرفاق كأن لم يكن

بهم لك عهد ولم تصحب

إلى أن فنوا ثلة ثلة

فناء السراب على السبسب

(السبسب: الأرض الصحراوية المستوية).

أما محمود سامي البارودي الذي ورد ذكره فيما تقدم من حديث، فهو من مواليد سنة 1838م، وكانت وفاته في سنة 1904م.

تخرج في المدرسة الحربية بمصر، ولكنه لم يجد مجالا للعمل في تخصصه، فانشغل بالأدب وقال الشعر، ثم تغير حاله بتغير حكام عصره، فنال ما يريد من مكانة، وشارك في الحروب كما رغب، ثم تولى مناصب عالية في بلده، ولكن الأمور جرت بخلاف ما يظن، حين قام أحمد عرابي بثورته المعروفة في تاريخ مصر، وكان البارودي معاضدا له.

فنفى كافة قادة المشاركين في الثورة إلى «سيلان»، وأمضوا هناك ما يزيد على سبعة عشر سنة، ولم يعد هؤلاء ومعهم البارودي إلا عندما حلت سنة 1900م، ومات بعضهم هناك.

مضت عليه سنوات المحنة والاغتراب آخذة من عمره ما أخذت، ولذا فإنه عندما أحس بتقدمه في السن صاغ قصيدة جميلة تحدث فيه عن ذلك، كان منها قوله:

كيف لا أندب الشباب وقد أصـ

بحت كهلاً في محنة واغتراب

أخلَق الشيب جدَّتي وكساني

خلعة منه رثة الجلباب

ولوى شعر حاجبي على عينـ

ـي حتى أطل كالهداب

لا أرى الشيء حين يسنح إلا

كخيال كأنني في ضباب وفي ختامها:

لم تدع صولة الحوادث مني

غير أشلاء همة في ثياب

فجعتني بوالدي وأهلي

ثم أنحت تكر في أترابي

كل يوم يزول عني حبيب

يا لقلبي من فرقة الأحباب

***

وممن أبدع في استرجاع الذكريات شعرا الشاعر عزيز أباظة، وهو من شعراء مصر البارزين، وكان رجلا ذا مكانته في وطنه، ولد في سنة 1898م وتدرج في الدراسة هناك حتى تخرج في كلية الحقوق سنة 1923م.

وعمل في مكتب أحد المحامين بعد تخرجه، ثم التحق بالنيابة العامة في سنة 1925م، وبعدها انتخب عضوا في مجلس النواب في سنة 1929م.

وبعد انتهاء مدته في المجلس تدرج في عدة وظائف انتخب بعدها مرة أخرى لعضوية مجلس النواب في سنة 1936م، واشتغل مديرا لعدة مديريات وهي التي تسمى الآن محافظات، ونال في ذلك الوقت رتبة الباشاوية.

أصيب في سنة 1942م بوفاة زوجته التي حزن عليها كثيرا، وعندما أصدر ديوانه «أنات حائرة» كان أكثر قصائد الديوان في رثائه لها. ثم قام بعدة مهام منها عضوية مجلس الشيوخ في سنة 1947م.

كانت صفة الشاعر هي الواضحة فيه، ولذلك فقد ترأس جمعية الشعراء في سنة 1950م، وصار رئيسا للجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وتوج جهده الأدبي باختياره عضوا في مجمع اللغة العربية سنة 1959م.

توفي بالقاهرة في اليوم العاشر من شهر يوليو لسنة 1973م. ولقد كُرّم أثناء حياته وبعد وفاته، ولا يزال ذكره بما تركه من تراث فكري، ومن أشعار كان آخرها ديوانه الذي طبع بعد أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، وكان صدوره في سنة 1978م.

زار هذا الشاعر الكويت، واتصل بعدة جهات، وقد أسعدني الحظ بلقائه لعدة مرات خلال زيارته، ولقد وجدت فيه رجلا يمثل المكانة التي نالها، ويستحق التقدير والاحترام.

في مجال الذكريات، فإن ديوانه «أنات حائرة» كان يمثل أساه بعد فقدان زوجته، ويصطبغ بالذكرات التي لم تغادر باله حتى بعد مرور السنين.

وأدل شيء على ذلك قصيدة نالت شهرة واسعة بعد أن لحنها وغناها الفنان محمد عبدالوهاب، وهي الأغنية (القصيدة) التي ذاعت بعنوان «همسة حائرة» وفيها إشارة إلى الذكرى التي تسيطر على الشاعر وإن لم يصرح بمن يقصد، يقول:

يا منية النفس ما نفسي بناجية

وقد عصفت بها نأيا وهجرانا

أضنيت أسوان ما ترقا مدامعه

وهجت فوق حشايا السهد حيرانا

يبيت يودع سمع الليل عاطفة

ضاق النهار بها سرا وكتمانا

هل تذكرين بشط النيل مجلسنا

نشكو هوانا فنفنى في شكاوانا

تنساب في همسات الماء أنتنا

وتستثير سكون النهر نجوانا

ويمضي قائلا إن النيل الفضي لم يشهد الفين مثلهما يذوبان تباريحا وأشجانا، ويكادان من بهجة اللقاء ونشوتهما بسببه يريان الدنا شجرة وارفة، والدهر بستانا، وعلى الرغم من ذلك فالحياء يمنعهما من تجاوز الحدود، وذلك ما صوره بقوله:

لم نعتنق والهوى يغري جوانحنا

وكم تعانق روحانا وقلبانا

نغضي حياء ونغضي عفة وتقى

إن الحياء ثياب الحب مذ كانا

لا نشك في أنه يصف حبا عذريا ذهب أدراج الرياح، وصار للشاعر ذكريات يردد صداها في شعره.

***

وجاء على إثر شوقي شاعر رقيق متنوع الشعر، له اهتمام كبير بالوصف وشعر الغزل والحديث عن الأيام وما تفعله بالناس، وما يعانيه هو منها. هذا الشاعر هو علي محمود طه المهندس، الذي اشتهر بقصيدته المعنّاة: الجندول التي غناها بلحنه الفنان محمد عبدالوهاب.

ولد علي محمود طه في مصر سنة 1903م، وتوفي بها سنة 1949م، ودرس الهندسة التطبيقية فكان مهندسا إلا أن الأدب، والشعر بخاصة من أهم ما كان يعنى به إضافة إلى عمله في الهندسة، ونظرا لبروزه في المجال الثقافي فقد تم اختياره لكي يكون وكيلا لدار الكتب المصرية وكان منصبا مهما في حينه.

له عدة دواوين منها: الملاح التائه، وليالي الملاح التائه، والشوق العائد، وأغنية الرياح الأربع. وله ترجمات لبعض الآثار الشعرية الأجنبية ضمنها كتابه: أرواح شاردة، وهي ترجمة شعرية لتلك الآثار.

في ديوانه الشوق العائد قصيدة بعنوان «الأيام» يتحدث فيها عن الأيام التي تمر بالناس فمنهم من يسعد بها ومنهم من يشقى فمن يسعد بها تظهر على محيّاه السعادة، ويتقلب في النعيم، ولكن من يشقى فإنه يضع الملامة على الأيام التي يعتبرها مسببة كل ما يصيبه من بؤس وشقاء. وفي هذا السبيل يسير الشاعر فيخاطبها:

عدوة أنت لمن خانه

حظ، وإن كنت الصديق المعين

لحاك من أخطأ في رأيه

كأنما أنت التي تفكرين

ومن أساء الصنع في عيشه

كيف تسيئين ولا تحسنين؟

ولامك الضليل في دهره

فمنك لا منه الضلال المبين!

حتى أخو الحرمان في حبه

كأنما أنت الحبيب الضنين

ثم يقول للأيام: ومع كل ذلك فأنت لا تبدين الشكوى، ولا يهمك ما ترين أو تسمعين، ولقد عرفت ضعف الناس في هذا العالم، ولذا أخذت أراجينهم بالحسنى، وصبرت لأنك تعلمين أن ضعفهم هو الذي يدفع بهم إلى ما ترين، ولذا فإنك تطلبين لهم النجاة. وهو بذلك راض عن دنياه، ويخاطبها قائلا: إنه يعلم جيدا بما تصنعه له وللناس، وما تتمثل به من لبس، فهي التي تفسح له الضيق إن وافاه خلال عمره، ويواصل:

لديك ما يمحو عذابي، وما

يرفأ دمعي، وهو هام سخين

لديك ما يفني همومي، وما

يبرئ قلبي وهو دام طعين

وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في سنة 1944م، كان العالم في هذا الوقت يترقب نهاية تلك الحرب الطاحنة. وقد بدأ الشاعر في حينها وهو يرنو إلى المستقبل الذي تمنى أن يعيد له ما قبل سنوات الحرب من راحة واطمئنان بعد أن ذاق هو وغيره من الناس مرارة أيام لاهية. ولذا فهو يخاطب ذكرياته قائلا:

بعد خمس جئتني يا ذكرياتي

والأماني بين موت وحياة

بعد خمس يا لها في السنوات

حملت كل ذنوب الكائنات

أرجعي لي بعض أحلامي وهاتي

صفو أنغامي وردي صدحاتيثم إنه يخاطب الذكريات وكأنه يخاطب المستقبل فقد جمع بين الماضي والقادم من الأيام في قوله:

ذكرياتي كيف أقلت عليا

كيف جزت البر والبحر القصيا

كيف حضنت الكون لجا دمويا

وشواظا طاغي النار عييا

ذكرياتي جددي هذا الرويّا

وابعثيه نغما عذبا شجيا

هذا هو علي محمود طه وهذا هو شعره، ويا ليت في الأمر فسحة إذن لقرأنا معا كثيرا من إنتاجه البديع.

***

في السنة الدراسية 1957م – 1958م، كان أحد أبناء الكويت يتلقى العلم في العاصمة المصرية (القاهرة) وذلك ضمن إخوة له هم أعضاء البعثة التعليمية الكويتية التي كانت دائرة المعارف هنا ترسلهم إلى حيث مقر الدراسة الملائم، ولم تكن سبل الاتصال بالبلاد متاحة – في ذلك الوقت – كما هي اليوم، بل كان البريد هو ما يمكن أن يفيد في ذلك، وقد ضاقت بهذا الطالب الدنيا، وكان ضيقه يزداد كلما تذكر بلاده وأهله وأصدقاءه، فكتب قصيدة عبر فيها عن كل ما يحس به.

هذا الذي أتحدث عنه في هذه السطور هو كاتب هذه الكلمات الذي مر بهذه التجربة، فكتب ما يلي بعد شعوره بتراكم الذكريات على ذهنه، وإحساسه ببعد المسافة، وطول المدة الباقية على لقاء الأحبة الذين فارقهم، وهذه هي القصيدة المشار إليها:

ودّع الذكرى وخل الشجنا

حسبنا يا قلب هما وضنا

رب ذكرى تملأ القلب أسى

لزمان فاض أنسا وهنا

وليال قطعت من دونها

رغم ما نلقاه أسباب المنى

وزمان باسم الثغر به

صفت الأيام والدهر حنا

أصبحت كالطيف يأتي عابرا

يجلب الآلام والهم لنا

ماضيا حلوا وعيشا صافيا

أين صفو العيش من أيامنا

كم تذكرناه عهدا حسنا

وبكيناه زمنا أحسنا

عصفت عاصفة الدهر به

فتلقينا بذاك الإحنا

اطرح ذكراك يا قلب فلم

تجن من ذكراك خير المجتني

منذ أججت بنا نار الجوى

لم نذق طول الليالي وسنا

ونعيم الوصل ذقنا بعده

يوم فارقناه ألوان العنا

لم يزل يخطر من تذكاره

خاطر الأحلام رفاف السنا

يحمل النفس على ما يرتضي

ويذيق القلب منه حزنا

وقد لحن هذه الأبيات وغناها الفنان المرحوم عبدالحميد السيد، وأذيعت. وقد أثارت الأحاسيس التي وردت في هذه القصيدة شاعرين هما: الخال إبراهيم سليمان الجراح، والأستاذ راشد السيف. فكتب كل منهما قصيدة تعارضها. ومما قاله الخال:

رب لفظ رق حتى فتنا

رفة القلب وسر الأذنا

نغمة عابرة جاءت به

فأزالت بصداها الإحنا

ومنها قوله:

قد تفننت فأحييت بها

ميت الشعر فألقى الكفنا

وتحدّيت بلا قصد فتى

ضاق أن يحكي صداها علنا

فتطفلت على الشعر فلم

أرخ عيّاً في مداه الرسنا

يا لها أغرودة لو أنها

لم تهج ألحانها لي شجنا

وفي ختام قصيدته:

عادة الأيام لا تأتي على

فرحة إلا استحالت حزنا

سلبت أنسا، وسلت مرحا

أين من يأخذ منها الثمنا

أتراها ترعوي عن غدرها

أم تراها اتخذته ديدنا

عشت غريدا كما شئت على

دوحة الآداب خفاق الجنا

بلبلا ما قفزت عن فنن

رجله، إلا استقلت فننا

أما الشاعر راشد السيف فقال في البداية:

واقعي الشعر يبدي الشجنا

لم يكن غيري به مثلى عنا

ولذا حاول حلي جاهدا

رمز سر ورث القلب الضنا

فانتهى الأمر ولم اكشف له

غير حسن الظن ذاكرا حسنا

ثم يقول بعد ذلك:

أيها الباكي على ما قد مضى

ليس للشكوى محل ههنا

كلنا في الهم لا شك سوا

غير أن الصبر حلو المجتنى

وقال في الختام:

يا أخي يعقوب أقبل ما ترى

بعد غض الطرف عن عيبي أنا

أنت كم عودت مثلي دائما

حالة العذر قبولا حسناهذه ذكرى أيام مرت بخيرها وشرها، والحمد لله على العافية.

وبهذا، ينتهي هذا الحديث الذي تأمل أنه عرض ما يفيد كما ابتعد عما يُمِل. وإلى اللقاء.